مدينة غالي (Galle) جوهرة بديعة. حيث تعتبر هذه المدينة التاريخية من مواقع التراث العالمي لليونسكو، ومن الممتع المشي فيها واستكشافها. كانت ميناءً تجارياً قديماً، تتناثر فيها المباني الاستعمارية، الحصن العتيق، والمساجد، والكنائس القديمة، والقصور الكبرى والمتاحف. أقمت فيها ليلتين بعد أيام من الساحل في هيكادوا، وتجولت في ممراتها، ولا أعتقد أنني تعرفت على جزء كبير منها. وجدت هنا المقاهي الأنيقة، والبوتيكات الغريبة، والفنادق التي تم ترميمها بحرص.
بنيت المدينة من قبل الهولنديين في القرن السادس عشر، وبداية من عام ١٦٦٣ أصبحت مدينة غالي حصناً (Galle Fort) لهم. إنها محاطة بسور حجري من ثلاث جهات بالمحيط، والذي أصبح منطقة سياحية، وليس لمجرد جمال القلعة والحصن. وبالتأكيد، تهيمن السياحة الآن على الاقتصاد المحلي، لكن هذه المدينة الفريدة تظل مجتمعاً متكاملاً، فهناك مكاتب إدارية، ومحاكم، وشركات تصدير، ومدارس وكليات. فيما هناك سائحون مُغرمون كلياً بأجواء المدينة الساحرة، وهي بلا شك وجهة سياحية يجب ألا تفوتها في جنوب سريلانكا.

تاريخ مدينة غالي الحافل
كانت مدينة غالي (Galle) الميناء البحري القديم لترشيش، والتي أخذ منها الملك سليمان العاج والطاووس والأشياء الثمينة الأخرى. كانت القرفة تصدّر من سريلانكا في وقت مبكر من عام ١٤٠٠ قبل الميلاد، وبما أن جذر الكلمة نفسها هو اللغة العبرية، فقد يتكون مدينة غالي موطناً رئيسياً للتوابل.
من المرجع أن الجغرافيين اليونانيين والرومانيين قد عرفوا عن مدينة غالي، والتي أطلقوا عليها اسم رأس الطيور. فيما كان بطليموس على علم أيضاً بالميناء الذي أشار إليه باسم أودوكو (Odoka). وزار الرحالة المغربي ابن بطوطة مدينة غالي (أو قالي كما أسماها) عام ١٣٤٢. وخلال القرنين الثاني عشر والثالث عشر، بدأ اللاجئون السنهاليون الفارين من جيوش التاميل من الشمال بالاستقرار في غالي والمناطق المجاورة الأخرى.
كانت مدينة غالي (Galle) ميناءً بحرياً بارزاً قبل فترة طويلة من الحكم الغربي للبلاد؛ وصلها التجار من الفرس، والعرب، والإغريق، والرومان، والملايو، والهنود، والصينيون. ثم في عام ١٤١١ تم نصب نقش غالي (Galle) بثلاث لغات، وهو نقش على لوح حجري بثلاث لغات، الصينية والتاميلية والفارسية، في مدينة غالي لإحياء ذكرى الزيارة الثانية إلى سيلان من قبل الأدميرال الصيني تشنغ هي.
وفي عام ١٦٤٠؛ أُجبر البرتغاليون على الاستسلام لشركة الهند الشرقية الهولندية. حيث قام الهولنديون ببناء الحصن الحالي في عام ١٦٦٣، وبنوا سوراً من الجرانيت الصلب وثلاثة حصون تُعرف باسم “الشمس” و “القمر” و “النجم”. وبعد أن استولى البريطانيون على البلاد من الهولنديين عام ١٧٩٦ ، حافظوا على الحصن دون تغيير واستخدموه كمركز إداري للمنطقة.

ما الذي يجعل من مدينة غالي (Galle) وجهة سياحية
باختصار؛ لأنك ستجد فيها كل شيء! هنا المعالم التاريخية الاستعمارية، والمعابد والمساجد، والشواطئ الرملية، والأنهار التي تعج بالحياة البرية. وكلها تجعلها ملاذاً لابد من التوقف فيه ولو لليلتين حينما تزور سريلانكا.
تجمع مدينة غالي الآن حكاية مدينتين: المدينة الجديدة الصاخبة، وكأنها بعيدة عن العوالم، وتُبعد الحنين للحقبة الاستعمارية في بلدتها القديمة. فيما هي مُحاطة بأمان داخل جدران المرجان والجرانيت للقلعة الهولندية التي تعود للقرن السابع عشر والمطلة على المحيط. يزور الكثير من السائحين مدينة غالي للتجول في الشوارع الهادئة والجذابة، وكأنك تمشي في متحف مفتوح. في المقابل؛ هناك الكثير في هذا المكان، خاصة لمحبي الحياة البرية. تمتّع بالمناظر الطبيعية الساحرة مثل مشاهدة الحيتان الزرقاء، وركوب الدراجات، والرحلات النهرية.
أين تذهب في هذه المدينة الساحرة إذن؟

السير في المدينة القديمة
قررت المشي في البلدة القديمة عندما هدأت الشمس قليلاً. بدأت من الكنيسة الهولندية الإصلاحية؛ مبنى جميل، به شواهد قبور تحمل أسماء هولندية. ثم انتقلت إلى شارع تشيرش، حيث كنيسة أنجليكانية جميلة. من شارع كوين، محاطاً بالمستودعات الهولندية القديمة ذات اللون الأصفر، موطن المتحف البحري الوطني في المدينة، والبوابة الهولندية القديمة. ستجد هناك معروضات بشعارات VOC (شركة الهند الشرقية الهولندية)، والشارات البريطانية على جوانبها. ثم تقدّم إلى ساحة القانون، وهي ساحة جميلة مظللة بأشجار البانيان القديمة، وخلفها مستشفى غالي الهولندي، والذي تم تحويله إلى مجمع للتسوق وتناول الطعام. على الجانب، صعدت الأسوار في Aurora Bastion، أحد ١٤ برجاً في الحصن، وسِر هناك في اتجاه عقارب الساعة فوق الأسوار. سترى منارة بيضاء، هي رمز مدينة غالي الساحلية.
عند الغروب، تجولت في شارع Rampart المواجه للغرب بحثاً عن المرطبات، وانتهى بي المطاف في الطابق الثاني من بيت ضيافة صغير يسمى Fort Dew. المطعم-البار البسيط ذو الجوانب المفتوحة على الأسوار العشبية تحته. يمكنك مشاهدة المحليين يلعبون الكريكيت، والرجال يرتدون ثوباً (كورتا) بيضاء أنيقة جديدة من المسجد يتجولون في الطريق. بينما أراقب الشمس تغرب ببطء في المحيط. إنها طريقة مناسبة لإنهاء استكشاف اليوم.
وللعشاء، انتقلت إلى مطعم Cinnamon Room لتناول العشاء في فندق Jetwing Lighthouse. يقع في الطابق العلوي من الفندق مع إطلالات رائعة على المنارة البريطانية القديمة حول الخليج، وهو مطعم ذو أجواء رائعة يديره ويشرف عليه أحد أفضل الطهاة في البلاد. قائمة طعامه تتمحور حول المأكولات البحرية الرائعة التي تشتهر بها هذه المدينة. فمدينة غالي أساساً تعتبر ميناءً مزدحماً، ويمكنك أن ترى قوارب الصيد محملة بالمنتجات البحرية، والأسماك تدخل الميناء يومياً.

اليوم الثاني في مدينة غالي (Galle)
هل تعرف أن مزارع الشاي لا يُشترط أن تكون في أعالي الجبال؟ توجهت إلى Handunugoda Estate، إنها مزرعة شاي في الأراضي المنخفضة بالقرب من بحيرة كوغالا (Koggala). تشتهر بالشاي الأبيض، والذي تقطفه سيدات يرتدين القفازات ويترك حتى يجف في الشمس. ثم يتم بيعه بالتجزئة مقابل ١٥٠٠ دولار للكيلوغرام، وستجده في متاجر الشاي الحصرية مثل Mariage Frères في باريس. أخبروني أن الشاي المزروع في الأرياف المنخفضة تشكل حوالي ٥٧٪ من السوق، ويزداد الطلب عليه خاصة في الشرق الأوسط.
ثم انتقلت إلى معبد Kathaluwa Old Temple البوذي من القرن الثالث عشر. يقع بجوار بحيرة كوغالا، وعلى بُعد عشر دقائق بالسيارة من مصنع الشاي. وعلى الرغم من وجود العديد من المعابد في المنطقة، إلا أنه من أقدم المعابد، ويتميز برسومه الجدارية التي تعود إلى أواخر القرن التاسع عشر في عهد كانديان. وبشكل فريد، يصور العديد منه الحياة خلال الفترة الاستعمارية. جذبتني من اللوحات ساعة بأرقام رومانية، وصورة مصغرة لنساء وأطفال يرتدون الزي الفيكتوري وعربة ملكية.
تجربة غداء شهية..
توقفت للغداء في Café Ceylon، على شاطئ كابلانا الرملي، ويقع في حديقة استوائية واسعة. هذا المطعم ذو الواجهة المفتوحة يطل على شرفة مظللة بكروم الفاكهة الاستوائية. قائمة الطعام الشهية تجمع بين الأطباق الغربية والآسيوية، والتي تشمل الأطعمة المميزة محار “كوجالا لاجون” المقشور، وفطائر الجمبري مع صلصة لونو ميريس، والتونة المقشرة بالسمسم. ثم توجهت إلى شاطئ Wijeya، وهو محطة جالي الشهيرة على مساحة شاعرية من شاطئ مناسب للسباحة. بهيج ومريح، والمرطبات بأسعار معقولة. بعد السباحة في المحيط، اطلب الفواكه الاستوائية، واسترخِ على كراسي الاستلقاء المطلة على الشاطئ. إنها بقعة رائعة لمشاهدة غروب الشمس الرائعة.

المساء محاطة بالغابات
قضيت الليلة الأخيرة في مدينة غالي لدى فندق Jetwing Kurulubedda. يقع على ضفاف النهر، وستجد فيه غرفاً شبيهة ببيوت الأشجار، لأنها فعلياً مبنية على الأشجار الكثيفة، ووسط الغابة. تسمح جدرانه الزجاجية بالتمتع الكلي بالطبيعة، ومشاهدة الحياة البرية، بداية من القرود المستوطنة، والتي ستزور باستمرار مع ٥٠ نوعاً من الطيور. قضيت بقية اليوم مسترخية في هذا المنتجع؛ ستجد المسبح الرئيسي فوق مساحة واسعة من حقول الأرز العضوية، وكأنها أعشاب مشوبة بالذهب.
تناولت العشاء في مطعم الفندق، The Treehouse. يُضاء كل مساء بشموع تحوله إلى وميض إلى وجهة سحرية لتناول الطعام. وبينما تأكل، نستمع إلى صراصير الليل وتناثر الضفادع ونشاهد اليراعات الخضراء تتطاير في الظلام.
احتفظ بقائمة خريطتي على جوجل لتتعرف على المطاعم والمقاهي والفنادق التي أرشحها لك.
غادرت بعدها إلى شواطئ ميريسا الشهيرة لتعلم ركوب الأمواج والاسترخاء، مع القليل من العمل. لاحظ أن رحلاتي في سريلانكا كانت خلال الأزمة الاقتصادية والسياسية، ولذلك كنت أقيم في الفنادق المحلية، بدلاً من فنادق المستثمرين. أعمل في المساء حينما تصبح تمديدات الكهرباء والانترنت أفضل، وأقضي النهار على الشاطئ. كانت حياة جيدة – لنا كسائحين. لا تنسَ قراءة التدوينات السابقة التي تحدثت فيها عن كولومبو مدينة الحدائق، وتجربة السباحة مع السلاحف في هيكادوا.

لا يوجد تعليق